
خرج لزهر مسرعاً، لم يكن يدرك أنه ذاهب لقضاه و قدره،ليقابله في الميعاد المحتوم. ارتطم بأحدهم عند باب الشركة، و إستدار ليعتذر بصوته العالي و ربطة عنقه البنية تستجيب معه لحركاته الفجائية يمنة و يسرة. يعجبه هذا القميص الزهري الذي قرر صباحاً أن يرتديه، وقع في حبه مذ رآه للمرة الأولى، كما يقع في الغرام بسهولة في كل مرة، ثم يذوق الأمرين. أدار محرك سيارته و انطلق و هي تصدر صوتاً زمجر به محركها و كأنه مستاء من إستعجال لزهر الذي أيقظه فجأة من نومه ثم دفعه للإنطلاق قبل أن يكمل ولا حتى دوره واحده يستنشق معها بعض الأوكسجين ليكمل إحتراق وقوده. لعله كانت تلك لحظة غضبه من لزهر لذلك فعل فعلته? أو أن الوقود هو الذي غضب ?
كانت طرقات المدينة مزدحمة كالمعتاد، هي كذلك طرقات مرسيليا الحالمة ليلاً المزدحمة نهاراً. عرج على طريق ‘كي دو بور’ و أوقفه الزحام فترة أمام مجلس المدينة. نظر عن يمينه فرأى اليخوت الكبيرة تقف بزهو في مراسيها. ذكرته ببضع رحلات له في البحر، كان في آخرها البحر شديد الهياج، و قد حذرهم حرس الساحل من الخروج في ذلك اليوم لكنه و أصدقاءه أصروا على الخروج بالرغم من العاصفة المتوقعة، و أرسلوا تقريراً صوتياً مسجلاً لحرس الساحل بأنهم سيبحرون رغم التحذير على مسؤوليتهم الشخصية. و كأن البحر غضب من تحديهم ذاك، فأراهم من يكون. و عرف لزهر أن الأمواج و إن كانت ماءً، إلا أن لها قبضة من حديد، إذا قبضتك فقد تذهب بك حيث تشاء، و من ذلك قاع البحر، و إن شاءت لضربت فحطمت منك ما تشاء.
رجع من سرحانه على صوت بوق لطيف من السيدة التي خلفه في الطريق بسيارتها الحمراء الرودستار القديمة الطراز من شركة مرسيديس التي تجد كثير من الأغنياء يقتنوها في مرسيليا حيث يتباهى الناس بسياراتهم. لاحظ أن شعرها أشقر ترتدي نظارات عريضة من مرآة سيارته، لكنه أشاح بنظره سريعاً عنها و استمر في الطريق الذي فرغ أمامه بعد سرحانه فيما حدث لهم في البحر. لقد إعتاد ألا يلقي على امرأة نظرة ثانية فقد قال له أستاذه للعلوم الدينية في المدرسة التي أصر والداه أن يرتادها في صغره، أن النظرة الأولى لك، والثانية عليك.
إتصلت زوجته الجميلة سميرة. عندما رآها لأول مرة وقع أسير عينيها. لم يستطع وقتها أن يمنع نفسه من النظرة الثانية. كانت الوحيدة التي ترتدي حجاباً عصرياً جميلاً في ذلك الشارع في سوق المدينة. كان حجابها أزرق داكن و به ورود حمراء صغيرة و أغصانها الخضراء أكثر صغراً. أشاحت بوجهها عنه مباشرة عندما لاحظت نظراته بطريقة عفوية و ارتدت نظارتها الشمسية الكبيرة. هي معتادة على نظرات الشباب و حتى الشياب. كم هم وقحون أكثر الرجال ولا يستطيعون أن يحبسوا سهام نظراتهم إذا انطلقت. لكنها تعلمت كيف تستر جسدها من تلك السهام. إلا وجهها العربي الجميل، هي لا تغطيه لأن أمها تخشى عليها من اليمينيين المتطرفين الذين قد يؤذونها.
توقف فجأة ضاغط على كوابح السيارة حتى أصدرت صوتاً إلتفت له شرطي المرور الذي يقف منه ليس ببعيد. كاد أن يصدم السيارة التي أمامه لسرحانه من جديد. إقترب كثيراً من ‘روي دو لافاغ’ حيث تشرح النفس رائحة الشواءات الجزائرية و حيث يعمل أكثر ‘الحراقة’ على بيع السجائر ليكسبوا قوت يومهم. يريد أن يأخذ لسميرة بعض الأكلات التي تحبها. كم تستحق أن يفرحها و يدخل السرور على قلبها. فلكم أحبها و ازداد حبه لها عندما جمعتهما نفس الجدران و نفس السقف. عندما اختلطت أنفاسهما في غرفة واحدة و أفضى بعضهما الى بعض. كان ذلك حلماً صعب المنال. إلا أن الأجيال الجديدة في فرنسا قررت أن الزواج يجب ألا يكون شيئاً مستحيلاً. لماذا يمكنك أن تصادق فرنسية و تذهب لتعيش معك في بيتك بعد بضعة أيام، لكنك لا تستطيع أن تفعل ذلك بالحلال. لقد ذاق الحلال مع سميرة. إنك حقاً لا تدرك معنى الحب الحقيقي حتى تنطفيء نيران البعد و الحرمان. متى ما ذاب الزوجان بعضهما في بعض كشمعتين اشتعلتا سوية لا تكاد تفرق إحداهما من الأخرى، و اعتادا رتابة الحياة اليومية، و تحول أكثر الكلام الى أمور الحياة البسيطة ثم ظهر الخلاف و الإختلاف ثم العراك و الغضب و ربما بعض الفراق لأن الملل قد دب بينهما، ظهر في وقت ما، معنى و طعم الحب الحقيقي الذي لم يتخيله قيس ليلى و لا كثير عزة.
كان يرقبه من بعيد ودود. ودود يجلس في قارعة شارع ‘دو لافاغ’ يبيع السجائر، و أشياء أخر. إسمه عبدالودود لكن الكل درج على مناداته بودود. كان يرتدي قميصاً سماوياً بلون و علامة فريق مرسيليا الذي يشجعه. مازال يرتديه منذ مباراة مارسيليا و مونبلييه ليلة أمس التي إحتفلت بها المدينة و سهرت و سكرت حتى الصباح. ودود لا يفوت مباراة واحدة لفريقه مارسيليا المتعصب له الى درجة العنف و مشاركته في العراك والشغب الذي يحدث أحياناً بعد المباريات. كما أن تلك المباريات هي سوق رائج لسجائره و أشيائه الأخر التي يبيعها للجمهور. كم يمقت لزهر. و كم أحب سميرة. و ربما لا يزال يحبها. سوف ينظر كيف يتصرف مع هذا الوغد لزهر في يوم ما. تحسس قرطه الماسي في أذنه اليمنى. لا يدري لماذا يتحسس قرطه كلما ازداد توتره. رن هاتفه. نظر إليه بسرعه، عرف المتصل، و قام من مجلسه مسرعاً متجهاً بإتجاه السيارة السوداء الفارهة التي وقفت ليس بعيداً عنه. رمى سيجارته و هو يمتطي الكرسي الخلفي، و رمق لزهر من بعيد وهو يزاحم ليأخذ طلبه من محلات ‘حومة الشاوية’.
سمبيني مابيجي، لاعب كرة محترف في فريق مرسيليا من أصول سنغالية. كان يرتاد نفس مدرسة لزهر و يعرفان بعضهما منذ الصغر. كان والد سمبيني يعمل في الميناء و يسكنون في حي ‘دو لا بور’ القديم الغير بعيد من الميناء. هو أيضاً لمح لزهر من بعيد و صرخ بإسمه يناديه و هو يجلس في أحد كافيهات الشارع و غير بعيد منه تقف سيارته البي ام دبليو الفارهة حيث يرقبها بطرف عينه بين الفينة والأخرى في إهتمام و زهو بالغ. لم يرى لزهر منذ زمن، و لكن لزهر تجاهله و ذهب في طريقه. قال سمبيني في نفسه كم هو أحمق، لابد أنه لا يزال غاضب مني. إنني حقاً لم أقصد أن أحرجه أو أجعله يخسر كل تلك الأموال. إنني أعلم جيداً أنها مدخرات جدته زهرة و قد وهبته إياها ليتاجر لها بها و تزيد فتنفعها في باقي عمرها أو حين تعود ‘للبلاد’ لتستقر هناك و تدفن هناك إذا وافاها الأجل الذي لم تعد تراه بعيداً. بصق سمبيني عود الخلال الذي كان في فمه و سب و لعن لزهر الذي لم يكن بعيداً كثيراً ليخطئه سباب سمبيني بكلماته الفرنسية البذيئة. “سوف أبرحك ضرباً يا لزهر، لن تهرب مني كما كنت تفعل عندما كنا صغاراً، كنت أسرع مني و تجيد لعب الكرة لكنك إخترت أن تذهب الى الجامعة أيها الأحمق، انظر ماذا فعلت في نفسك، وانظر ماذا فعلت أنا في نفسي” و أشار الى ثيابه الرياضية الفاخرة و هيئته البادية الثراء. “تباً لك يا لزهر”.
أدار مفتاح باب شقته و دخل بعد أن أنزله سائق الأجرة أمام بنايته ذات الثلاثة طوابق. هل كان إحتراق سيارته صدفة? هل فعلها أحد صعاليك مارسيليا عبثاً? هل سيخبر سميرة فتقلق أم يدعي أنه قرر تغيير السيارة فجأة ليسعدها. إنه يفعل كل شيء ليجعلها سعيدة. لكنه يغالب القدر و تحاول سميرة أن تعلمه كيف يستسلم و يسلم أمره لله و لأقداره، فيصبح كسفينه حالمة يسحبها التيار بهدوء، تحرك أشرعتها هنا و هناك لكنها لا تستطيع أن تبحر عكس الريح. هذا هو فن الملاحة، أن تسوق سفينتك مع التيار و مع إتجاه الريح، ثم تصل وجهتك في وقت غير بعيد قبل أن تفسد البضاعة والتجارة التي تحملها. و تتوكل على الله حق توكله. من غيره تتوكل عليه و أنت في عرض البحر.
نادته سميرة و هي تعدل طرحتها البيضاء المائلة للون الرمادي، “أهذا أنت يا حبيبي?” ” مانريدش نوكلوا هالنهار وعندي كتير أشغال كنخدموها هنية” لم يرد عليها و دخل المطبخ ووضع الأشياء و فتح صنبور الماء على يده التي نالها شيء من الحريق.
