زهر مرسيليا (٢)

on

 

Image may contain: 1 person, closeup

من قال إن الدنيا سهلة?. لم يقل ذلك أحد قط. ليس هناك شك في أنها دار إبتلاءات. تذكرت سميرة أمها التي كانت بالكاد تفارق سجادة الصلاة. جاءت أمها الى فرنسا صغيرة من سواحل شمال أفريقيا. جاءت كما جاء كثيرون بقوارب صيد صدئة و مسروقة عبرت بهم البحر في جنح الظلام في رحلة لا تتحدث عنها أمها البتة و يبدو أنها نالت بها جراحاً عميقة لا تود تذكرها قط. كانت فقط تدمع عيناها كلما تذكرت الموقف و تقول لابنتها الوحيدة، لقد هربت من وحوش الى وحوش و هربتنا ذئاب ضارية. رغم أن أم سميرة بالكاد تجاوزت الخمسين عاماً إلا أنها تبدو أكبر من ذلك بكثير، ولكن لا يزال الحسن بادي عليها رغم معارك السنون. عركتها الدنيا و أذلتها و أذاقتها المر، و لم تصل الى صورة الدنيا الحلم التي لطالما رسمتها في مخيلتها و انتظرتها يوماً بعد يوم. حتى فات الزمان، و رحل كثير ممن رحل، و لكن الحلم لم يكتمل قط. هل يا ترى لا تكتمل أحلامنا البتة? هل العيب فينا أم في دنيانا?. هل نحن نحلم أحلاماً غير واقعية لا تناسب قدراتنا ربما? أم أننا نحاول أن نتدخل لنغير خارطة القدر الذي رسم لنا دوراً معيناً في الحياة? هل كما قال الشيخ ذات يوم في المسجد : قال تعالى في كتابه : (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)، فكل ما يقع علينا من مصائب هي نتيجة أعمال سيئة إقترفناها، لكن أوليس الله يغفر الذنوب جميعاً، و يحب التوابين و يحب المتطهرين? و لماذا يبتلى الرسل و هم معصومون عن الخطأ. سألت الشيخ ذلك السؤال فزجرها “شكون انتي تاتهدري عن الرسول، أش مشالك فيه?” و عنى من تكونين لتذكري الرسول و كأنه يستكثر عليها مجرد ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم على لسانها، ثم قال أنه لا دخل لك به. و في لحظة عندما لاقت عيناها عيناه، ومضت في ذاكرتها أشياء و أشكال و عيون كثيرة. إن هاتين العينين ليستا بالغريبتان عليها، كانت وقتها ترى عيون الناس و كأنها مغشي عليها، و كأنها في عالم آخر منقطع عنهم، لا تسمع كلامهم و لا تلقي بالاً لما يفعلون. فزعت فجأة أم سميرة، من يكون ذلك الشيخ، لأنها عرفت أنه عرفها، و قليل من يعرفها و يعرف قصتها في مرسيليا. فسكتت و أدنت عليها غطاء وجهها و أسدلت نظرها للأرض. و في طريق خروجها من المسجد نادتها امرأة مسنة، فارتعدت أم سميرة. خشيت أن تكون إمرأة أخرى من ماضيها الذي دفنته في إيطاليا فهربت منها فزعة، لكن المرأة أمسكت يدها بقوة و جذبتها إليها، فلما نظرت إليها أم سميرة والرعب بادي في عينيها رأت و جهاً ملائكياً أبيضاً يبدو و كأنه من أرض الشام، و بشت المرأة المسنة في وجهها. قالت لها ” لا تخافي حبيبتي، و لا تزعلي على أبونا الشيخ، فهؤلاء الشيوخ هم أبناءنا و منهم مكتمل الصلاح و منهم من يبقى في نفسه شيء من آدميته يغالبه، كما السياسيين، إختلط الحابل بالنابل اليوم و علينا أن نراجع كل شيء و نستقصي فكل يؤخذ منه و يرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما عن سؤالك فسأجيب عليك يوم الجمعة القادمة، أو عندما نلتقي، إذا كتب لي الله عمراً أطول مما يتوقعه الأطباء” ، قالت كلامها ذاك وهي تبتسم و عليها كل ملامح الوقار و السكينة، و كأن كل الطمأنينة التي في الدنيا جمعت و أنزلت عليها دفعة واحدة. ثم أرخت يدها عن ذراع أم سميرة ، فانطلقت الأخيرة كالسهم شاردة من المسجد و هي فزعة وجلة.
من قال أن جمال المرأة كرت عبور? قد يكون كذلك إن كانت الدنيا تخلو من الذئاب، لكن قد يكون جمالها مجلبة للكوارث و الأطماع. لكم تمنت أم سميرة أن تكون أقبح فتاة في حي التضامن.

Leave a comment