زهر مرسيليا (٣)

on

Image result for zidane

دخل لزهر قصر سمبيني مابيجي، بوابة خشبية ضخمة تفتح أوتوماتيكياً، و مدخل ملتو يوصل الى فناء صغير يفتح عليه كراج السيارات و تتوسطه نافورة بها تمثال لطفل صغير ذو جناحين و يتدفق الماء من فوقه. تقف في الكراج الذي كان مفتوحاً عدد من السيارات الفارهة، منها لومبرجيني حمراء و فيراري سوداء يلفتان الأنظار، كم حلم هو و صديقه بأن يقودا مثل هذه السيارات عندما كانا صغيرين، كانا عندما يريان إحداها في شوارع مرسيليا، يتخيلان أنهما يقودانها و يصدران أصواتاً تشابه صوتها بفميهما ثم يغدوان مسرعين على دراجتاهما الهوائيتين.

أوقف لزهر سيارته البيجو الصغيرة في الساحة و إذا بصديقه سمبيني يطل من على الشرفة التي أطرافها من زجاج. فتح سمبيني يديه واسعاً و هو يضم بعض أصابعه و يميل رأسه قليلاً بطريقة الترحيب المتداولة بين الشباب، مع إبتسامة واسعة أظهرت كل أسنانه مرحباً بصديقه العزيز، “مرحباً مرحباً بأخي لزهر، كم أنا سعيد بحضورك، أدخل يا رجل تفضل، أدخل”.

“مرحباً مرحباً بأخي لزهر، كم إشتقت إليك يا عزيزي” قال ذلك سمبيني و أخذ لزهر بالأحضان” تفضل تفضل، بيتي المتواضع يرحب بك” فرد لزهر “أي بيت متواضع يا سمبيني هذا البيت قيمته بأقل تقدير مليوني يورو”، قال سمبيني مصححاً “ بل، مليونين و ثلاثمائة و خمسين” و هو يضحك، “ لقد إشتريته بسعر جيد لأن صاحبه كان يحتاج للكاش” و قال بصوت منخفض “ صاحبه تاجر مخدرات معروف، عرفني به صديقنا ودود فهو الذي يزوده و يزودنا بالأصناف الممتازة غير المغشوشة” و غمز سمبيني و هو يلكم لزهر بلطف و يبتسم بخبث و دهاء و مرح في نفس الوقت. ثم استمر في الحديث ” كان لدى التاجر صفقة كبيرة يحتاج فيها الى كاش بسرعة و لا يمكن أن تنتظر فباع بعض عقاراته لكي يجمع لها المال الكافي، فكانت من نصيبي هذه الفيلا و هي تساوي على الأقل ثلاثة ملايين يورو أو أكثر” لا يفوت سمبيني أن يتباهي بملايينه بين الحين والآخر، بالأخص أمام صديقه لزهر الذي كان يفوقه في كل شيء، في الدراسة و في الكرة و في الشكل فكانت البنات يحببنه أكثر في مراهقتهما، و كان هو يتبعه في كل شيء. حتى عندما حان وقت الجامعة دخل لزهر الجامعة التي يريد، ورسب سمبيني في إمتحان البكالوريا، و من شدة حنقه لم يحاول مرة أخرى و إستمر في النادي الذي كان يلعب فيه كرة القدم حيث بدأ يحقق بعض النجاح في فريق ماغسي كونسولا في ملعبه الصغير في شارع فرانسوا دو بيلوسو الذي يقبع في الشارع المنحني الشهير في حي كونسولا القديم. ظل النادي لفترة طويلة كنادي للهواة لكنه تطور أخيراً و دخل الدوري القومي الفرنسي، لكن لم يكن ذلك عندما إنضم إليه سمبيني كجامع كرات و منظف للمكان، ثم لاعب إحتياطي عندما سنحت الفرصة، و حتى باعه النادي فيما بعد و جدد الملعب الصغير و أضاف له المزيد من المدرجات ليسع 3500 متفرج. سمبيني يرى نفسه زيدان القادم. لم لا فقد ولدا في نفس المدينة و تربيا في نفس حي لا كامبير، و بدأ زيدان يلعب الكرة منذ صغره في ملاعب الترتان الصغيرة في الحي و كذلك بدأ سمبيني و لزهر. ذهب زيدان ليلعب في نادي سانت هنري الصغير و ذهب سمبيني الى كونسولا. أصبح زيدان اليوم مدرب ريال مدريد، و ليس هناك ما يمنع طموح سمبيني من أن يفوز ببطولات العالم كما فعل زيدان ثم ينتهي كمدرب محترف مثله. لكنه لن يغادر مرسيليا أبداً كما فعل زيدان، سيبقى بها الى الأبد فهو يعشق طرقاتها الملتوية و جدرانها المليئة بالجرافيتي و موانئها و شطآنها الصغيرة.

” لقد دعوتك يالزهر لأنني أريد أن أسدد لك دين قديم عليّ يا عزيزي”

قال لزهر و يبدو الهدوء في عينيه ” أي دين تتحدث عنه يا سمبيني”

” نقود جدتك زهرة التي وعدتك أن أستثمرها لك “

” و ما ذنبك أنت في ضياعها? لقد فشلت تجارة أوعية البلاستيك في سوق لا كابوسين”
حك سمبيني خلف رأسه بأصابعه ثم فركها براحة يده، وهي الحركة التي يعرفها لزهر جيداً منذ صغرهما و لعبهما في أزقة و شوارع لا كامبير.

” يبدو أنك كذبت علي يا سمبيني، إعترف ماذا فعلت هذه المرة”
جلس لزهر على طرف الأريكة متحفزاً و غاضباً و هو ينظر لسمبيني و عيناه تتطايران شرراً. و بقى سمبيني يحك خلف رأسه الأصلع و يتحدث بصوت منخض و هو يحني رأسه للأرض و يتفادى نظرات لزهر، مثلما يفعل عادة عندما يفعل جرماً أو خطأً، و ابتعد خطوتين من لزهر كأنه يخاف أن يضربه، وهو يعلم جيداً كم كانا يتعاركان و يبرحه ضرباً عندما كانا صغيرين
” في الحقيقة لقد أعطيت النقود لودود ليتاجر لي بها، فقد وعدني .. ”
و قبل أن يكمل انقض عليه لزهر بيده يمسك طرف فانيلته الرياضية الفاخرة

” ماذا ياسمبيني ? أعطيتها ودود? ليتاجر بها في المخدرات? تريد أن تطعم جدتي حراماً يا سمبيني?”

” إهدأ إهدأ يا صديقي، هو بكل حال خسرها و لم يعطيني شيئاً، و عندما جمعت أولاد الحي و ذهبت له لكي يعطيني ما وعد من أضعاف مضاعفة أمسك بي و استل سكينه و هدد الجميع بأن يذبحني، لقد كدت أموت يالزهر ”
” ليتك مت يا سمبيني، ليتك مت، أنا ذاهب” و قام لزهر و ترك صديقه و انتفض خارجاً، فلحقه سمبيني و هو يمسك به و يناديه

” انتظر يالزهر، إني آسف جداً و أريد أن أعوض جدتك عن مالها أضعافاً مضاعفة، قل لي كم تريد و سوف أعطيها كل ما تريد، والله لو أرادت أن أشتري لها بيتاً في الجزائر لفعلت، أنا غني الآن يالزهر، و يمكنني أن أفعل لها و لك ما تريد”

” جدتي ماتت يا سمبيني ، اغرب عن وجهي”
و نفض ذراعه عن يد سمبيني و خرج مسرعاً.

” ليس ذلك كل شيء يالزهر، هناك موضوع آخر أكثر أهمية أريد أن أحدثك فيه”

” قلت لك اغرب عن وجهي ياسمبيني، لو لم تقل لي أن هناك أمر مهم يخص والدتك لما حضرت لبيتك هذا الذي توسخه بالخمر والنساء والمخدرات”

” أنا أعلم كم كنت تحترم أمي و تحبها لذلك كان علي أن أذكر شيئاً له علاقة بها لكي تحضر يالزهر، وهي حقاً سألتني عنك، و وصتني بأمر يخص أختك سارة، يجب أن تسمعني يالزهر هو أمر جد مهم”

” قلت لك اغرب عن وجهي وكف عن أكاذيبك و لا دخل لك بسارة، إذا رأيتك تقترب منها سوف أقطع أصابعك و أرمي بهم في البحر”

” إنتظر يالزهر، إنه أمر فعلاً مهم و أنا أهتم بسارة و أريد ….”

أدار لزهر محرك سيارته البيجو الصغير و انطلق مسرعاً خارجاً من منزل سمبيني و اصتدم بحافة الطريق و اعتلت سيارته عشب سمبيني الغالي و شتته في أرجاء المكان و سمبيني يضع يديه فوق رأسه و يصرخ دون أن يلتفت إليه لزهر.

Leave a comment