زهر مرسيليا (٤)

Image may contain: bird and outdoor

كم هو صعب التعامل مع البشر، إنه أصعب شيء يمكن أن تقوم به. كم كان متشوقاً أن يضمه و سميرة بيت واحد و يغلق عليهما باب. كم حلم بجمالها الأخاذ و أدبها و تواضعها مع شيء من اللباقة و شطارة في الطهي أن يكون كل ذلك له وحده. و كان موقناً أنه سيعيش في الجنة بعد زواجه بها. كيف لا و هي ذلك الملاك الطاهر، ذات العطر الهاديء الذي تختاره بعناية لكي لا يلفت الإنتباه، و أظافرها القصيرة لكنها مبرودة الأطراف بجمال و دون إسراف و أصابعها الرقيقة التي تضع فيها خاتماً ذهبياً واحداً أعطته إياه أمها عندما تخرجت من الجامعة. إنه الخاتم الذي رافق أمها في رحلتها المُرة عبر البحر و حارات إيطاليا و أزقة فرنسا، وهو الشيء الوحيد الذي لسبب ما لم تنهبه منها هذه الرحلة. بعدما تزوجا و مرت الأيام الأولى ملائكية جميلة، وبدأت الرتابة تدب في حياتهما و كاد أن ينتهي الكلام بدأت تظهر الخلافات و الإختلافات. كانت سميرة طموحة و تحب التقدم والتطور في الحياة. و كان لزهر مرتباً مهذباً لكنه يحب الرتابة، به شيء من الخجل و بها شيء من الفضول و الجرأة، يحب التطور لكن بهدوء و تحب هي الإقدام والدخول في أشياء و مغامرات جديدة. كانت هذه الإختلافات ممتعة لهما في البداية إذ كانا بكل حب يفعلان ما يحب أحدهما في وقت و يتنازل له الآخر، بكل مودة لشدة الحب بينهما. لكن بالتأكيد التنازلات لا تستمر بدون نزالات. أم لزهر التي تنحدر من جذور جزائرية كانت هادئة وديعة تؤمن بأن على الزوجة أن تعيش في كنف زوجها و عليه أن يقرر كل شيء و يفعل كل شيء. لذلك كان لزهر يتوق الى الزواج بفتاة عصرية مثل سميرة، قوية و مقدامة و ناجحة في عملها.

“ لا أريد أن أتحدث معك، إما أن تترك لي هذه الغرفة أو أتركها لك” قالت سميرة.
“ أنا الرجل، و لن أترك لك المكان، إذا غضبتي فلتذهبي أنتي” قال لزهر
“ و ما دخل هذا برجل و إمرأة؟! أين كلامك لي قديماً أنك لا تحب التقاليد التي أتى بها أهلنا من البلاد و أنك رجل عصري و تؤمن بحرية و قوة المرأة”
“هناك فرق بين الحرية و بين الأصول !” قالها و رفع رأسه و أغمض عينيه لزهر ،و ربع يديه علامة إغلاق العقل عن إستقبال المزيد.
سميرة قارئة جيدة للغة الجسد، علمت من لغة جسد لزهر أنه لن يستوعب كلمة إضافية مما تقول. فصمتت و لم تحدث أي تعابير في وجهها و خرجت من الصالة الى غرفتها في شقتهما المكونة من غرفة و صالة في تلال إندوم. لقد حلما بأن يخرجوا من أحياء مرسيليا القديمة الى تلالها العالية الألطف جواً و أقل زحاماً بالأخص الأجزاء التي تم ترميمها ، و تحديثها منها. وهاهما قد حققا عدة أحلام، إبتداءً بزواجهما الذي تم في حفل بسيط جداً حضره الأصدقاء في بيت سميرة. كأنه حفلة شاي و ليس زواج. و إنتهاءً بشراء سيارة والإنتقال الى الجانب الأكثر رقياً في مرسيليا، فكلاهما كان يحلم بأن يخرج من تلك الحواري الضيقة و المباني المزدحمة الى حي أكثر رقياً. تذكر لزهر كيف كان قبل الزواج عندما يختلفان على شيء، فينظر الى جسد سميرة المتناسق، و يمني نفسه بأنه عندما تكون له و تنقشع عما بينهما الستر، فسيدخل الجنة من أوسع أبوابها و يرفل في النعيم. يكفي أن يعانق هذا الملاك الكامل المتكامل، سميرة، و لن يهمه علقم الدنيا بعدها. و كان يتنازل لها عن كل شيء، كيف لا و هي ندية كقطعة الفراولة يتمنى قضمة منها لتدخله في عالم الخلود واللذة التي لا تنتهي. أما اليوم فقد قضم من الفراولة و تذوق طعمها حتى صار يشتهي التفاح أو البرتقال، أو ربما بعض الماء فقط يكفي.

لا تلوموا لزهر، فمهما بلغ الحب بين الحبيبين فلابد للملل أن يدب بينهما، و لابد أن يختلفا و تختلف مواردهما. و مهما بدت الفتاة جميلة و ودودة في نظر الشاب، ثم انغمس كل منهما في عسيلة صاحبه و ذاقا و ذابا في حلاوة اللقاء لابد أن يستيقظا في يوم ما بقرب بعضهما البعض و ينطفيء أو يخف البريق، و يصبح كل شيء عادي، بل تتعالى وتيرة الإختلافات فتجد كل واحد منهما رجع الى أصدقائه بعد أن كان هجرهم لعدة أشهر حال انغماسه في عسل الأيام الأولى. يقول بعض الباحثون ، هكذا قرأت سميرة في أحد المجلات و أخبرت صديقتها العزيزة كورينا ابنة صاحب المطعم القريب من بيتهم ذات الأصول الإيطالية، أن أهم ما يبقي على الحياة الزوجية هو ‘الإلتزام’. لذلك تجد أن الزيجات التي تتخذ طابع الإرتباط بين الأسر تستمر أكثر بدون طلاق، كما في الثقافة الهندية مثلاً. و كلما كان الزوجين منفتحان على بعضهما و يتحدثان بوضوح و صراحة، كلما حلت المشاكل التي تحدث بينهما و لا تتطور الى مراحل أكثر تعقيداً. و كلما قرأ الزوجان عن كيفية تقبل الآخر و طرد الملل من الحياة الزوجية و حل مشاكلها، عاشا أكثر سعادة. قامت سميرة، و بدلت البيجاما البيضاء ذات الرسومات الوردية الصغيرة والتي تحبها و تحب أن تلبسها كثيراً، بعد أن أخذت حماماً دافئاً ورّد وجنتيها، و صففت شعرها و ضعت العطر الذي تضعه للسهرة و ارتدت فستانها الأخضر القصير المورد بنقوش سوداء صغيرة، و خرجت لتتحدث مع لزهر و تلاطفه و ربما تستدرجه لبعض الأحضان والقبلات، و من يدري ماذا قد يحدث بعدها.
لزهر، لزهر حبيبي أين أنت
لزهر، هل أنت في الصالة?

Leave a comment